كيف يصلح الإمام العالم؟ كيف تؤثّر هذه المعرفة بسلوك الممهّدين؟

كيف يصلح الإمام العالم؟

كيف تؤثّر هذه المعرفة بسلوك الممهّدين؟

السيد عباس نورالدين

إن كان هناك أمرٌ يقينيّ واحد بشأن دور الإمام المهدي وإنجازاته فهو ما يتعلّق بالمقولة المشهورة التي وردت في العديد من الأحاديث والأدعية وهي أنّه “يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْما”.[1]

كلّ المحبّين لهذا الإمام العظيم والمؤمنين به، يعلمون أنّ المهمّة العظمى الملقاة على عاتقه تكمن في القضاء على كل أشكال الظلم والجور على هذه الأرض من خلال نشر العدالة وبسطها، وبالطريقة التي لا تسمح بعودة الظلم مجدّدًا إلى هذه الحياة الدنيا.
لقد استطاع بعض أنبياء الله وأوليائه أن يقيموا العدالة في زمانهم، ولكن لا يبدو أنّ تلك العدالة التي حقّقوها كانت تمتلك فرصة البقاء والاستمراريّة. وممّا يمكن أن يُقال أنّ هذا الفشل إنّما يرجع بالدرجة الأولى إلى فقدان النّاس للثقافة اللازمة للثبات على العدل، وأنّ النفوس البشريّة لم تشهد ذلك التحوّل المطلوب لتحقّق هذا الأمر الجليل. ولهذا، فإنّ الإنجاز الأكبر الذي سيتحقّق على يد الإمام المهدي (عجل الله فرجه) سيتجلّى في حصول هذا التحوّل النوعي في النفوس.. فالعدالة أمر يقوم على المشاركة العامّة. ولعلّ أحد أسباب عدم دواميّتها في أي مجتمع يرجع إلى انحصار تطبيقها في السلطة أو الحاكم.
العدالة الشاملة هي حالة جماهيريّة؛ ولهذا لا بدّ من إيمان الناس بها واستعدادهم لتطبيقها باعتبارها القيمة الأولى في حياتهم.
صحيح أنّ عدالة السلطة هي الخطوة الأولى على هذا الطّريق، كما قال الإمام عليّ (عليه السلام): “فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاة”،[2] لكن صلاح الولاة هنا لا بد أن يكون بمستوى يمكن معه أن يسري عدلهم إلى النّاس أيضًا. فنحن هنا أمام عدالة من نوعٍ خاصّ أو عدالة قُصوى. ويبدو أنّ فهمنا لهذا النوع من العدالة هو الذي يقرّبنا من عصر الظهور باعتباره العصر الذي ينبغي أن نتطلّع إليه ونمهّد له، وإلّا لن نبلغ كرامته.
قد يمنّ الله على بعض الأمم بحكّامِ عدل، ومع ذلك تجحد تلك الأمم هذه النعمة العظيمة وتكفر بها فتخسرها في النهاية. وقد أُشير إلى أنّ ترك الناس لفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد أسباب تسلّط الأشرار على الأخيار في النهاية.
إنّ التفاعل الحيويّ بين الحاكم العادل والشعب هو شرطٌ أساسيّ لسريان العدالة من السّلطة إليهم، ولانتشارها في كلّ تفاصيل حياتهم. ولهذا، نطرح هذا السّؤال حول ما سيقوم به الإمام المهدي في هذا المجال بالتحديد.. فنحن لا نشك لحظة واحدة بأنّ الله تعالى قادرٌ على تحقيق كل مقدّمات الظهور بين يومٍ وليلة، ولكن ماذا عن استمرار بركات الظهور وبقائها.
بالنسبة لنا، الإمام المهديّ هو آخر سهم في جعبة الرّسالات الإلهيّة؛ ولهذا لا ينبغي أن يفشل أبدًا. فكل هذا التأخير إنّما يرجع إلى هذه النقطة بالذات؛ أي إلى حتميّة دواميّة الإنجاز الرساليّ الذي سيتحقّق على يديه. وكما يُقال، فلا رجوع إلى الوراء من بعده، بل يجب أن تشهد البشريّة بعد ذلك حركة تكامليّة، تكون العدالة الشاملة أولى إنجازاتها!
فإذا كان بسط العدل حلم الأنبياء، فإنّ ما ينبغي أن يتحقّق بعد ذلك من كمالات وكرامات هو المهمّة الكبرى لهذا الإمام العظيم.
صحيح أنّ بسط العدل هو أمرٌ عظيم ويشكّل أرضية التحوّلات الأخرى في حياة الناس وفي حياة الأرض أيضًا، إلّا أنّ العدل ليس آخر مهمّات البشر، وليس أعلى وأرقى ما يظهر منهم. فلا ننسى أنّ لهذا الانسان مهمّة إظهار أسماء الله كلّها؛ والعدل أحدها!
إنّنا أمام عدلٍ اجتماعيّ يسمح بتفتّق جميع الاستعدادات الإنسانية وبلوغها مراتب الكمال المطلق؛ ولسنا أمام عدل يقضي على الظلم والظالم فحسب. إنّه العدل الذي في ظلّه يتحرّك الناس بسهولة ويسر نحو كل مراتب الفضيلة والكمال؛ ويكون ذلك خيارهم الوحيد والنهائيّ. إنّه ذاك التحوّل الجوهري الذي يتطلب حسمًا لقضية الحياة الدنيا ومعيشتها. فما دام هذا العيش المحدود يشكل الهمّ الأكبر للبشرية، فمن المستحيل أن تتّجه نحو الفضيلة والآخرة.
قضيّة العدل المهدويّ إذًا، ليست قضيّة التخلّص من الظالمين والطواغيت فحسب، بل هي قضيّة التخلّص من الظلم الكامن في كلّ واحدٍ فينا، والذي أشار إليه الذكر الحكيم بقوله تعالى: {الَّذينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون}،[3] الظلم هنا هو الشكّ بحسن تدبير الله لنا ورعايته وكفايته؛ الظلم الذي يعتدي على إيماننا ويمنعه من التكامل ليكون منصّة عروجنا إلى الله؛ الظّلم الذي حال بيننا وبين حظوظنا الإلهيّة وكراماتنا المعنوية.
فحين يصدح الإمام بنداء العدالة الشاملة، فهو لا يقصد من وراء إقامة حكم الله إلّا أن تقوم النفوس على دين الله ووفق دين الله فتتّجه الدنيا نحو يوم الدين. وما أدراك ما يوم الدين!
ولأنّ سلوك طريق الفضيلة هو أمرٌ اختياريّ، ولا يمكن فرضه بالقهر والجبر، كما قال تعالى {لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَي‏}،[4]فإنّ أعظم إنجازات العدالة المهدويّة يكمن في ثبوت هذا الخيار على مستوى العالم كلّه.
ولأنّ الاختيار الإنسانيّ لا يحصل إلّا بالقناعة الفكريّة والإيمان القلبيّ، فإنّ جهاد الإمام المهديّ الأعظم سيكون في قدرته على الإقناع، وفي تثبيت الإيمان بالقناعات الجميلة التي سينشرها.
سيشهد العالم في عصر الظهور أكبر وأضخم عمليّة تبادل وتفاعل فكريّ معنويّ، حيث سيفرض الإمام تداول القضايا الكبرى والمصيريّة بين الناس. وبعبارةٍ أخرى، إنّ هذا الإمام سيخرج البشريّة من حالة العبثيّة واللامبالاة التي تسود اليوم بشكل مفرط، ويجبرها على التفكّر والبحث والتأمّل والتفاعل مع القضايا التي ترتبط بمصيرها. الأمر الذي يُعد نقيضًا تامًّا لما تقوم به حكومات ومؤسّسات الدول الكبرى عامدةً أو غافلة، بواسطة أدواتها الإعلاميّة والتعليميّة المهيمنة.
سيكسّر الإمام احتكار تلك السلطات الكبرى لوسائل التواصل والإخبار، وسيتمكّن من الوصول إلى كلّ بيت في العالم، ويشغله بقضايا الحياة الأساسيّة، ويطلعه على الحقائق التي حالت تلك المؤسّسات الاحتكارية دون وصولها.
 هذا ما نعرفه، لكنّنا لا نستطيع الجزم بكيفيّة تحقّق ذلك! فهل سيستعمل الإمام هذه الوسائط نفسها ويتفوّق بالمضمون فحسب؟ أم أنّه سيبتكر وسائط أخرى لا يمكن لأي قدرة في العالم أن تغلقها أو تعطّلها؟
ما نؤمن به هنا هو أنّ معرفة الحقيقة الكبرى ستحرّر الناس من الأوهام والأباطيل والمخاوف والظنون التي أسرتهم وكبّلتهم وجعلتهم عبيد القوى الطاغية في هذا العالم. 

 

 

[1]. مستدرك الوسائل، ج12، ص 283.

[2]. الكافي، ج8، ص 353

[3]. سورة الأنعام، الآية 82.

[4]. سورة البقرة، الآية 256.

مركز باء للدراسات