«معنى الإنتظار»

  • بِسْم الله الرحْمن الرحيم وصلَّى الله عَلَى محمدٍ وآله الطاهرين وصحبِه المنتجبين ..

    “افضل الاعمال انتظار الفرج”
    إن هذا الانتظار الذي اكدت عليه الروايات هو عملٌ “افضل الاعمال” وليس شعور فقط، إن البعض منا يتصور أن الانتظار هو قعود وشعور وتفاعل عاطفي. وعندما يُذكر اسم الإمام يضع يده على رأسه، هذا امر جيد، ولكن اصل الانتظار هو عمل .
    وثانيًا أنه افضل العمل. وهذا يعني أنه عملٌ صعب للغاية وأن الشيء الافضل هو الصعب، كالشهادة العالية، المعدل العالي، كأس العالم، افضل لاعب، افضل فنان، أي أن هذا امرٌ صعب وطريقٌ صعب.
    ومع الاسف الكثير منا يتصور أن الانتظار امر بسيط وهذه هي حالنا وواقعنا .
    إن المنتظرين في زمن الغيبة هم الذين يمثلون جانب الحق وجبهة الحق في حركة البشرية عبر التأريخ، بمعنى أن المنتظرين هم استمرار لتأريخ وحركة اصحاب موسى وحواري عيسى واصحاب إبراهيم واصحاب رسول الله واصحاب علي وفاطمة والحسن والحسين واهل البيت عليهم السلام .
    المنتظرون هم استمرار لاصحاب الحق الحقيقيين وليس المدعين فقط وهكذا حركة السفراء الأربعة والنواب والفقهاء.. هذا هو الانتظار، هذا هو معنى المنتظرين.
    المنتظرون هم جنود معسكر الحق، بل هم معسكر الحق في مقابل معسكر الباطل وجبهة الباطل . والروايات تؤكد ذلك وهذه الرواية مستفيضة بل متواترة ومحفوظة “يملأ الارض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا” . يعني ماذا؟ يعني لحظة الظهور، يعني قبل الظهور وربما الآن، أن هناك دائمًا معسكر عالمي ضخم وكبير اسمه معسكر الجور والظلم . وفي مقابل هذا المعسكر هناك معسكرٌ عالميٌ عادلٌ مقاوم اسمه معسكر الحق وجبهة الحق . المنتظر هو من يقف في هذا المعسكر العالمي المقاوم معسكر الحق .
    معسكر الباطل يتشكل من دول واحزاب وأقوام وميليشيات وجماعات بل حتى ربما شعوب في كل أنحاء العالم . قد تختلف أنواع وتشكيلات جبهة الباطل في اشكالها وفي اديانها وفي ثقافاتها ومذاهبها، ولكنها تشترك ضمن جبهة الباطل في معاداتها للحق . وهنا ليس المقصود معاداتها للحق عبر التاريخ، لا بل معاداة الحق في ذلك الزمن . يعني اليوم عندما نريد أن نعرف من هم اعضاء جبهة الباطل؟ إنهم من اجتمعوا ضد الحق في زماننا وليس عبر التأريخ. لأنك قد تجد في معسكر الباطل شخصًا يؤمن بعيسى ويحب عيسى، لكنه ضد الحق الآن، وقد تجد شخصًا في معسكر الباطل يؤمن بموسى وموسى عنده حق لكنه ضد الحق في زماننا، وقد تجد شخصًا يؤمن برسول الله صلى الله عليه وآله ويحبه ولكنه اليوم ضد الحق في زماننا، وبجرأة اقول قد تجد في جبهة الباطل شخصًا يؤمن بعلي والحسين واهل البيت ولكنه اليوم ضد الحق في زماننا .
    معسكر الحق هو نقطة المواجهة الخالصة الحقيقية لمعسكر الباطل العالمي . معسكر الحق لا يمكن أن يؤطر بقوميةٍ وحدودٍ وطنية او مذهبية او جغرافية او سياسية او دينية، وهذا ليس بمعنى لا وجود لدين حق ومذهب حق .
    القرآن الكريم يبين أن معسكر الحق ومعسكر الباطل لا يجتمعان ابدًا ولا يلتقيان في العنوان العام . ونحن نقرأ في الآية المشهورة : ((لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)) الاستمساك بالعروة الوثقى ليس حب الله فقط وليس حب اهل البيت فقط وليس حب الدين فقط، بل اولًا الكفر بالطاغوت .
    إذًا من خصائص اهل الحق هو رفض الطواغيت ومواجهة الطواغيت والوقوف بوجه الطواغيت، وفي المقابل الإيمان بالله وبرسله وبكتبه وبإمته وبدينه وبخطه وبنهجه . وعلى الإنسان المؤمن أن يكون مؤمنًا بجبهة الحق ومؤمنًا بمنهجها وخطها ومؤمنًا ايضًا ببطلان جبهة الباطل وهذا الإيمان امرٌ لابد منه إيمانٌ راسخٌ متينٌ واضحٌ لا لبس فيه ولا شبهة تعتريه .
    وعندما يتم الحديث عن خط وطريق الحق فأنه لا يمكن للإنسان وكثيرٌ منا هكذا، كثيرٌ منا قدمٌ في جبهة الحق وقدمٌ في جبهة الباطل وهذا التاريخ أمامنا . كم شخص بقى مع الحسين وكم شخص بقى مع زينب والسجاد والصادق عليهم السلام . والله تعالى قد بينها في كتابه الكريم ((أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ)). إن الكثير من الناس تريد الاثنين معًا، يريد دنيا وآخرة . وفي تعبير القرآن الكريم يريد ابيض واسود وهي الحالة الرمادية ولا يوجد شيء رمادي “إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا * مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا)).
    إن من يخرج من جبهة الحق مباشرةً تستلمه جبهة الباطل ولا يوجد شيء وسط . ((فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)) هذا في الدنيا ولهذا نحن نقرأ في الزيارات لعن الله أُمَّةً سمعت .. شخص واحد عقر ناقة صالح ولكن القرآن يقول فعرفوها لأن سكتم لأن اردتم أن تكون لكم قدمٌ مع صالح وقدمٌ مع الطواغيت وهذا امر غير ممكن .
    القرآن يؤكد بأن المؤمنين يجب أن يتبعوا الحق وأما الذين كفروا فيتبعون الباطل ((ذَٰلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ)) ما هي ميزة الذين كفروا أنهم اتبعوا الباطل . ((وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ)).
    هذا طريقان، جبهتان، فريقان …
    فالقضية ليست قضية إيمان بالحق فقط كما كثيرٌ منا هكذا فقط مؤمنين محبين .. لا، القرآن يبين الاتباع الحقيقي فالقضية ليست إيمان وإنما اتباع للحق وبذلك يتشكل معسكر الحق ويتشكل معسكر الباطل . بالإيمان؟ كلا بالاتباع مع الإيمان .
    الإيمان الراسخ يستلزم إتباعًا للحق ولو بلغ ما بلغ ولو قُطع الإنسان إِرْبًا إِرْبًا . طبعًا طريق الحق للمؤمن يمثل كل شيء يعني جبهة الحق بالنسبة للمؤمن يجب أن تدخل في عوائلنا واسرنا وأخلاقنا ووزاراتنا واسواقنا وجامعاتنا والاهم في سياستنا . لأن البعض يتصور أن المسيرة في طريق الحق مقتصرٌ على الصلاة والصوم والعبادات والشعائر والحجاب، طبعًا هذا امر جيد، ولكن في الامور السياسية فيمكن له الالتواء والخداع والمراوغة بحجة المصالح السياسية والحمد لله نشاهد ذلك الآن! فالسياسة عند هؤلاء مصالح وليس حق وباطل . البعض من السياسيين عبر التاريخ احزاب عشائر تشكيلات .. آل زياد آل مروان آل نهيان آل سعود قد تتخذ مواقف عبر التاريخ مع الباطل ولكنها تُقنع نفسها بأنها لا زالت مع الحق، يعني يتماشون مع الباطل ويصفق لهم الباطل ويفرح بهم الباطل، لكن لأنهم فقط يصلون ويصومون وشعائر وطقوس وحفظ قرآن فنتصور إنا على حق!! هذا الطريق كله هذا طريق الباطل هذه الدنيا أمامنا . ولهذا الذي مُدح من وقف في جبهة الحق . اجلبوا لي شخص واحد مدحته زينب اجلبوا لي شخص واحد خذل الحسين ومدحه الحسين! الذي سمع وسكت لُعن ايضًا . لماذا عندما تصل إلينا نسمع ونسكت والباطل يهلهل لنا ويصفق لناهل أنك باعتبار جاءت الأربعين وعملت عزاء وقدمت نذر وذهبت للزيارة اصبحت من اهل الحق؟ من قال هكذا؟! وهذا التاريخ أمامنا يشهد أن اهل الحق الذين نجوا فقط وفقط وفقط هم اهل المواقف .
    نحن نقول وأتكلم عن نفسي يا ابا صالح عجل يا ابا صالح عجل ونحن بخدمتك وأنا اسأل نفسي إذا ظهر الإمام وقال لي اصعد برج بغداد وأكسر الزجاج وادخل! ماذا سأقول له؟ حقًا ما تقول يا ابا صالح؟! يبدو انك قد سمعت بامرٍ خاطىء هذا الامر ليس صحيح !! أليس هذا واقعنا؟! أتكلم عن نفسي واقعًا .
    الحق لا يتجزأ اخواني واخواتي ولا سيما في القضايا السياسية العامة . كربلاء هذه الغدير هذا اصحاب الحسين هذا صفين هذه موسى هذا اذهب إلى فرعون إنه طغى هذا .. لا فصل بين الدين والسياسة ولا يوجد شيء اسمه عبىء عواطف ننجو . هذا التاريخ هذه حركة الانبياء وسبب غيبة الانبياء ايضًا هو هذا . لأننا نتعاطف فقط مع الإمام والإمام يقول لا تنفعني عواطفكم فقط، مواقفكم اين؟ هذا هو المشروع الإلهي .
    إذًا هذا هو المشروع الإلهي في زماننا وفي كل زمن لابد أن يكون فيه قائدٌ عالميٌ واضحٌ وبين .
    نحن نتحدث عن الإمام المهدي والإمام غائب فماذا نفعل الآن؟ هل هناك جبهة حق ام لا؟ هل هناك قائد للحق يقود الجبهة ام لا؟ واخبروني هل هناك زمن لا يوجد فيه حق وقائد للحق واحد عالمي؟ حتى موسى عندما غاب قال لهارون اخلفني في قومي ونحن بإدعائنا بالغدير نقول لا يمكن لرسول أن يموت وأن يرحل دون أن ينصب ويعين .. وهل يمكن ومنذ ١٢٠٠ سنة أن تبقى دون وجود قادة وقيادات وولات للامر يقودون جبهة الحق العالمية؟ كلا هذا لا يمكن . والنجاح والفلاح لا يتحقق ابدًا إلا من خلال إطاعة هذا القائد والتسليم له في كل الابعاد ولا سيما السياسية والاجتماعية . ولابد من معرفته في كل زمن . معرفة الحسين آنذاك هو معرفة الحسين القائد وليس الحسين السّبط وكلهم كانوا يعرفون هذا الحسين ابن رسول الله . وليس فقط معرفة الحسين المعصوم بل كان المطلوب أن يعرفوا حسينهم القائد لأن لا فائدة من المعرفة العاطفية فقط والعرفانية فقط والعقائدية فقط بل لابد من المعرفة الحقيقية يعني الحسين القائد . يعني ماذا؟ يعني اسير خلفه وأضحي من اجله وأدافع عنه وأطيع اوامره وألقي بنفسي إلى النار والموت إذا امر . هذه هي المعرفة المطلوبة وهذا هو القليل وهذا هو اكثرهم للحق كارهون . ليس تاركون بل كارهون لأن الحق صعب فمن قال أن الحق سهل .
    الدخول في معسكر الحسين يعني القتال معه والجهاد بين يديه واطاعته واتباعه والتضحية من اجله …
    بِسْم اللَّه الرحْمن الرحيم ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)) يعني يختاروك حكم يعني قائد، إيمانهم لا يكتمل ولو ادعوا ولو فعلوا ما فعلوا ولو حفظوا القرآن وصلوا وذهبوا للحج وو… لا لا ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، يختاروك قائد يعني الاتباع . وثانيًا عندما تأمر يطيعون بقلبهم فلا يوجد حرج عندهم ولا يوجد لماذا ولا يوجد تضايق بل تسليم .
    نحن عندما نقف عبر التاريخ نجد أن جبهة الحق دائمًا فيها قيادات، نعم قد يكون معصومًا وقد يكون غير معصوم، ولكن هذا هو سرنا اليوم . سر انتظارنا للمهدي الغائب هو معرفة نائبه الحاضر لأن جبهة الحق تتقوم بقائدها ودليلها، ومن يضيع الدليل يتيه في الطريق .
    نحن بحاجة إلى أن نعرف هذه الجبهة وأن نتحرك ضمن هذه الجبهة وأن نعرف أن التكليف الشرعي مرتبط بهذه الجبهة ولا يتعارض هذا مع الانتماء الوطني او المذهبي او الديني او الحزبي او العشائري . فثورة الحسين تثبت أن وهب مسيحي واستشهد وثورة المهدي تثبت أن عالمية ثورة الحسين تثبت أنه قد يلتحق بالمهدي مسيحي وقد يخذله محب لأهل البيت او محب لرسول الله . والمسيح سوف ينزل ويصلي خلف المهدي لأن ابواب العالمية مفتوحة في ثورة الإمام المهدي عليه السلام . يجب أن لا نتمسك بحدود بل يجب أن نرتبط بالمهدي كمواقف وشعور وإيمان وليس فقط إدعاء وأنه نحن سنكون وعاصمتنا ستكون، من قال أن العراقي وبصراحة اتحدث عن نفسي من قال أنني أنا العراقي سوف اكون في عاصمة المهدي الكوفة عندما يظهر؟ بل ربما اكون مطروداً . آتوني بضمانات؟! اإن لضمان هو الإيمان هو العشق هو الاستعداد للتضحية . هذه هي عالمية المهدي وعالمية الحسين وعالمية علي وعالمية محمد وموسى وعيسى وهذا هو دين الله . ولا يتعارض هذا مع الدين الحق والمذهب الحق .
    إن اللا ابالية صفة بعيدة عن المنتمين والمنضوين ضمن جبهة الحق وهي جبهة الانتظار، جبهة الانتظار لا تعرف شخص اللا ابالية بمعنى الذي لا يتفاعل ولا يتعاطف مع القصف الوحشي ضد اليمن بدعاء ولا بكلمة ولا بصرخة ولا بهاشتاك ولا بجملة ولا بتغريدة ولا بامتعاض ولا باستنكار .. هل يمكن أن يكون ويدعي أنه ضمن جبهة الحق العالمية؟! هل يمكن أن لا يتفاعل المنتظر العالمي الحقيقي ضد المظالم التي تحدث اليوم ضد المؤمنين في نيجيريا والبحرين وباكستان وكشمير والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان وغيرها ..؟!

    سماحة السيد هاشم الحيدري