شيعة العراق والنهضة الحسينية … الجزء الثاني

نقض معاوية لصلح الامام الحسن (ع) :

شهد الامام الحسين (ع) نقض معاوية شروط صلح الحسن بعد استشهاده (ع) وبدأ حركته التحريفية التي استهدفت تفريغ الاسلام من محتواه المحمدي الذي يقوم على الولاء لله ولرسوله ولعلي والأئمة من ولده (ع) واستبداله بمحتوى أموي يقوم على البراءة من علي (ع) وبوصفه ملحدا في الدين واستبداله بالولاء لبني أمية بصفتهم أولى بالنبي (ص) وانهم أئمة هدى وخلفاء الله في خلقه .
بادرة وجوه الكوفيون بعرض البيعة على الامام الحسين (ع) وتجديد العهد له ، للنهوض بوجه معاوية لنقضه شروط الصلح ، فكان رده ان كونوا احلاس بيوتكم ريثما يموت معاوية (1) خوفا عليهم من بطش معاوية ، وطلب منهم العمل سرا ومواصلة نشر السنة والحديث النبوي الصحيح ..
عين معاوية ابنه يزيد خليفة من بعده وحاول اخذ البيعة له من الحسين (ع) ولكنه لم ينجح .

* دولة معاوية :

جد معاوية في تنفيذ مخططه الخطير وتربية الامة على بغض علي (ع) ولعنه على منابر المسلمين ، وترويج الاحاديث الكاذبة في ذمه ، ومنع ذكر أي حديث نبوي في فضله ، ومعاقبة المخالف بالقتل والتهجير والسجن وقطع الايدي والنفي والحرمان من العطاء .
وقد وضع معاوية بعض الصحابة وقوما من تابعيه لرواية اخبار قبيحة في علي (ع) للطعن به والبراءة منه ، وجعل لهم على ذلك اموالا (2) .
كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله (أن برئت الذمة ممن روى شيئا في فضل أبي تراب وأهل بيته) ، و(ألاَّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة)(3) ، ( فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته)(4) .

قال الامام الباقر (ع): (وكان أعظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن (ع) فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الايدي والارجل على الظنة ، وكان كل من يذكر بحبنا والانقطاع الينا يسجن أو ينهب ماله أو تهدم داره ، ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد الى زمان عبيد الله بن زياد الذي قتل الحسين (ع)(5) .

* شيعة علي (ع) بين الاضطهاد والتصفية :

خلال السنوات الخمس التي حكم فيها علي (ع) أحيا بها المعطل من كتاب الله والمكتوم من سنة النبي (ص) عرف فيها الناس طعم الكرامة وان سيرة علي (ع) هي ذاتها سيرة النبي (ص) وشهدت الكوفة خلالها حركة فكرية وسياسية وتربوية ودينية ، فتعلموا من علي (ع) الاسلام الذي جاء به النبي (ص) ووعاه عليا وعيا تاما ، فنشروه في البلاد التي لم تعرف عليا (ع) وسيرته الا في سنوات الصلح بين الحسن (ع) ومعاوية .
أصبح الشيعة وخاصة شيعة العراق العقبة دون تحقيق أهداف خطة معاوية ومنهجه التربوي الجديد ، فعمد الى تطويقهم وتصفيتهم وابادتهم ، لذلك حدثت في الكوفة مظالم ومجازر لم تشهدها غيرها من البلاد الاسلامية .

* الكوفة في زمن معاوية :

أشتد البلاء في الامصار كلها على شيعة علي وأهل بيته (ع) وكان أشد الناس بلية هم أهل الكوفة فقد عين معاوية (زياد) عليها فتتبع الشيعة وقتلهم على التهم والظنة في كل مكان وتحت كل حجر ومدر وقطع الايدي والارجل منهم وصلبهم على جذوع النخل وسمل أعينهم وطردهم وشردهم(6) ، وبعض ما فعله زياد بأهل الكوفة :
– تهجير خمسين الفا بعوائلهم من الكوفة والبصرة الى خراسان سنة ( 50 هـ)(7) .
– قطع أيدي ثمانين شخص ضربوه بالحجارة بسبب لعنه عليا (ع)(8) .
– قتل حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما .
– آخر ما كان عازما عليه زياد في الكوفة سنة ( 53 هـ) فانه جمع الناس وملأ منهم المسجد والرحبة والقصر ليعرض عليهم البراءة من علي (ع)(9) ، فمن أبى ذلك قتله ، ولكن رحمة الله سبقت ظلم زياد ، فقد سلط الله عليه الطاعون فانشغل بنفسه عنهم فمات(10) .

* الواقع الذي أسسه معاوية :

ما ذكر آنفا كان نبذة مختصرة لمنهج معاوية في تنفيذ خطته لتطويق نهج علي (ع) والقضاء على شيعته فاستطاع ان يحكم قبضته عليهم ليحقق اهدافه ، منها :
– القضاء على شيعة علي (ع) في البلاد الاسلامية وبخاصة الكوفة .
– تحويل الكوفة التي هي مركز التشيع لعلي (ع) الى مدينة موالية للخليفة ومطيعة له .
– تكوين أجيالا تبغض عليا وأهل بيته (ع) ووضع روايات كاذبة عنهم ، على انهم أعداء الله ورسوله(11) .
– تكوين أجيالا جديدة توالي الامويين على انهم أئمة الدين والهدى ، ووضع روايات كاذبة تحط من سيرة النبي (ص) بما يوافق المخطط الذي وضعه معاوية .
– تطبيع الامة على السكوت على الظلم مهما بلغت قسوته ووضع احاديث كاذبة عن النبي (ص) في ذك واشاعتها بين الناس ، فرووا عن النبي (ص) انه قال : (تسمع وتطع الأمير وان ضرب ظهرك وأخذ مالك)(12) .
– تربية الامة على الطاعة المطلقة للخليفة واعتبارها رأس الطاعات ، فرووا عن النبي (ص) انه قال : (فان رأيت لله عز وجل في الارض خليفة فالزمه وان ضرب ظهرك وأخذ مالك)(13) .
– تحريف الدين والسنة النبوية وتفسير القرآن وفق ما ينسجم مع أهوائهم وأهدافهم .
– حصر الملك في أبناء معاوية والاسرة الاموية .

* الانقلاب الفكري والديني :

كان الانقلاب الفكري والديني والاجتماعي الذي انتجته خطة معاوية خطير جدا على الاسلام والمجتمع الاسلامي ، حيث نشأ على اساس ذلك الانقلاب جيل جديد في الامة ، كان هو المادة الاساسية للجيش وقوى الشرطة ، اما معلموه ومدربوه كانوا ممن يكنون البغضاء والعداء لعلي واهل البيت (ع) وممن اغراهم معاوية بالمال فساروا على نهجه .

ولأجل تغيير هذا الواقع المنحرف الذي أسسه معاوية وكسر الطوق الذي فرض على الاحاديث النبوية الصحيحة في أهل البيت (ع) واحياء الامتداد الرسالي للنبي (ص) الذي محوره الأئمة الطاهرين من ولد علي (ع) كان لا بد من تفهيم الامة ان السكوت على ظلم بني أمية وفسادهم ليس من الدين في شيء ، بل ان الدين يدعو الى قتالهم والاطاحة بهم لانهم بلغوا القمة في الانحراف والظلم والتحريف .

* الأوصياء عدة الهية بعد الانبياء:

ان الوضع الذي صنعه معاوية مع احاديث النبي (ص) وسنته ، والانحراف بالأمة عن الدين ، والابتعاد عن سيرة الرسول الاكرم ، وما صنعه مع شيعة علي (ع) خاصة ، يشبه ما فعله فرعون مع بني اسرائيل ودين الله الذي جاء به النبي يوسف (ع) فاقتضت الحكمة الالهية ان يبعث موسى (ع) لينقذ بني اسرائيل ويجدد دين يوسف (ع) ويقيم الحجة على المجتمع ، وبما ان النبوة قد ختمت بـ محمد (ص) اقتضت الحكمة الالهية ان يقوم أوصياءه لإحياء الدين عند حصول الانحراف ، لذلك عرَف النبي (ص) الامة بأوصيائه من بعده ، الذين يتجسد فيهم الدين كله ، ومن ذلك أمر النبي (ص) لعلي (ع) ان يقاتل الناكثين والقاسطين والمفسدين من بعده ، وقوله (ص) في ذلك : ( ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله) وكان قد خص عليا (ع) بهذه المنقبة وهذه الفضيلة(14) .
وقوله (ص) في الحسين انه يقتل مظلوما واستقبل ولادته بذرف الدموع وما بكاء النبي (ص) الا تأييدا لموقف الحسين (ع) لاختياره الموت على بيعة الباطل .

* النهضة الحسينية :

قبل موت معاوية بسنة حج الحسين (ع) فجمع بني هاشهم ومواليهم واصحاب رسول الله (ص) المعروفين بالصلاح ، فاجتمع بهم سرا وأطلعهم على خطورة الوضع الفكري والسياسي والديني الذي أحدثه معاوية ، وحثهم على نشر الحقائق الدينية والاحاديث الصحيحة في حق علي وأهل البيت (ع) وقام فيهم خطيبا ، فقال :
( أما بعد فان هذا الطاغية قد فعل ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم ، اسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثم ارجعوا الى أمصاركم وقبائلكم فمن أمنتم من الناس ، ووثقتم به ، فادعوهم الى ما تعلمون من حقنا فاني أتخوف أن يدرس هذا الامر ، ويذهب الحق ويغلب ، والله متم نوره ولو كره الكافرون ) ، ثم تلا الحسين (ع) كل ما انزله الله فيهم في القرآن وفسره ، ولم يترك شيئا مما قاله الرسول (ص) في أهل البيت (ع) الا ذكره …

* انطلاق النهضة الحسينية :

انطلقت النهضة الحسينية من مكة المكرمة لكونها المكان الذي يقصده المسلمون من كل البلدان لأداء فريضة العمرة والحج ، لكسر الطوق المفروض على الاحاديث النبوية الصحيحة ، محدثا به الجيل الجديد ومستنهض الجيل القديم ، ولطلب نصرتهم في نهضته ، وقال ابن كثير : ( … اجتمع الناس حول الحسين (ع) يسمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد …)(15) .
أعلن الحسين (ع) بعد موت معاوية عن حركته التبليغية في مقاومة الظلم والفساد والتحريف ، سائرا على خط جده وأبيه ، جاهدا في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقضاء على البدع التي انتشرت وأطبقت على المجتمع الاسلامي ، وأخطر ما كان من تلك البدع :
أ- تربية المسلمين على بغض علي (ع) ولعنه والبراءة منه .
ب – رواية الاحاديث الكاذبة في ذم علي (ع) والطعن به ، وقتل من يظهر خلاف ذلك .
ج – رواية الاحاديث الكاذبة لتشويه الاسلام .
د – اشاعة الولاء والطاعة المطلقة للخليفة حتى وان خالف أحكام الله .
هـ – رواية الاحاديث الكاذبة في فضل بني أمية .

بقي الحسين (ع) في مكة أربعة أشهر (شعبان ، رمضان ، شوال ، ذو القعدة وايام من ذي الحجة) التف حوله القادمين للحج والمعتمرين ، فصار يذكِر الناس بأحاديث النبي (ص) وتفسير القرآن ، ويذكرهم بالموقف الصحيح عند ظهور الظلم والبدع ، ومن قبيل قوله : (من رأى سلطانا جائرا ، مستحلا لحرم الله ، ناكثا لعهد الله ، مخالفا لسنة رسول الله ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغير عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله)(16) .

ثم يذكرهم بجرائم بني أمية ومخالفتهم لأحكام الله ورسوله ، وقتلهم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر .
ويذكرهم قول النبي (ص) فيه: (حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا) .

وقال ايضا : (ألا ترون ان الحق لا يعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء الله ، فاني لا ارى الموت الا سعادة ولا الحياة مع الظالمين الا برما)(17)
وقال (ع): اني ادعوكم الى احياء معالم الحق واماتة البدع(18) ، وذكرهم بقول النبي (ص) فيه انه ستقتله الفئة الباغية ظلما وعدوانا .

ثم قال لهم : (وأيم الله لو كنت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا في حاجتهم ، ووالله ليعتدن عليَ كما اعتدت اليهود في السبت)(19) .

وقال لهم (ع): (كأن بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا فيملأن مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت ويوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله لحمته)(20) .

كان الحسين يحدثهم بهذا ، ليبصر المسلمين ويستنهض هممهم ، ويطلب نصرتهم ويذكرهم بتكليفهم الشرعي ، مثلما كان يصنع جده النبي محمد (ص) في مكة يوم استضعفته قريش وعذبت أصحابه قتلا وسجنا وتشريدا .

ان حركة الحسين (ع) التبليغية هذه ، تقوم على اساس ما أمر به الله ورسوله ، من اظهار العلم عند ظهور البدع وكان الحسين (ع) لها ، وبالرغم من انه يعرف ان السلطة الاموية سوف لن تسكت على حركته وستقضي عليه بأقسى الوسائل وأبشعها .

* محاولة اغتيال الحسين (ع) في مكة :

ارسل يزيد الى مكة من يقتل الحسين (ع) غيلة ، وقد اقترن هذا الخبر مسامع الحسين مع وصول كتاب مسلم بن عقيل يخبره ان الاجواء مهيأة لقدومه في الكوفة ، فخرج الحسين (ع) يوم الثامن من ذي الحجة من مكة كي لا يقتل في الحرم الشريف وتستباح حرمته .
الحمد لله رب العالمين والصلاة وأتم التسليم على محمد وآله الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان الى يوم الدين
الممهدون في الارض \ عاتكة العاملي
في الجزء الثالث : استشهاد الامام الحسين (ع) ونتائج نهضته ، اسباب وضع الاحاديث المكذوبة على النبي (ص) ، الاعلام العباسي في ذم أهل العراق ، روايات أهل البيت في شيعة العراق
* * * * * * * *
1- رواه اليعقوبي في تاريخه
2- شرح النهج ج4\67 – 110
3- شرح ابن ابي الحديد ج3 ص15ـ16
4- رواه أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب الاحداث
5- نهج البلاغة 11\44
6- شرح النهج 15 \ 43
7- فتوح البلدان \ 507
8- تاريخ ابن الأثير 3\462 ، الطبري 5\235
9- مختصر تاريخ دمشق 9 \ 88
10- مروج الذهب للمسعودي 3 \ 26 ، وذكره ايضا البلاذري في انساب الاشراف ق4 ج1 \ 278
11- روى ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما
12- جامع الترمذي 5 \ 687 ، مسند أحمد 4 \ 216 ، مسند الشاميين 1 \ 181 ، الآحاد والمثاني 2 \ 358
13- مسند أحمد 5 \ 403
14- حديث صحيح السند اتفق كل المحققين على صحته (عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله , فقال أبو بكر أنا هو يا رسول الله ، قال لا, قال عمر: أنا هو يا رسول الله , قال لا, ولكنه خاصف النعل وكان أعطى علياً نعله يخصفها) رسول الله كان معطي نعله لعلي (ع) يخصفها .
15- البداية والنهاية 8 \ 151
16- تاريخ الطبري 5 \ 403
17- تاريخ بن عساكر 14 \ 217 ، تاريخ الطبري 5 \ 404
18- الخبار الطوال للدينوري \321
19- تاريخ بن عساكر 14 \ 216 ، فتوح أعثم 5 \ 42
20- اللهوف لابن طاووس